القرطبي
364
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى - قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) روى الدارقطني عن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، فاستقبلنا المشركون ، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ، قال : ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم ، قال : فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين الظهر والعصر ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) . وذكر الحديث . وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى . وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه . وقد اتصلت هذه الآية بما سبق من ذكر الجهاد . وبين الرب تبارك وتعالى أن الصلاة لا تسقط بعذر السفر ولا بعذر الجهاد وقتال العدو ، ولكن فيها رخص على ما تقدم في ( البقرة ( 1 ) ) وهذه السورة ، بيانه من اختلاف العلماء . وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يتناول الامراء بعده إلى يوم القيامة ، ومثله قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ( 2 ) ) هذا قول كافة العلماء . وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا : لا نصلي صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الخطاب كان خاصا له بقوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم ) وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم ، لان النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في ذلك ، وكلهم كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه ، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه ، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب ، فلذلك يصلي الامام بفريق ويأمر من يصلي بالفريق الآخر ، وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا . وقال الجمهور : إنا قد أمرنا باتباعه والتأسي به في غير ما آية وغير حديث ، فقال تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ( 3 ) . . . ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) . فلزم اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص ، ولو كان ما ذكروه دليلا على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له ، وحينئذ [ كان ( 4 ) ] يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها ، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اطرحوا توهم
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 223 ( 2 ) راجع ج 8 ص 244 ( 3 ) راجع ج 12 ص 322 ( 4 ) من ج وط وز .